عاشت الأمة الآرامية بجميع طوائفها حرة أبية
  

اقرأ المزيد...

الدكتور أسعد صوما أسعد
باحث متخصص في تاريخ السريان ولغتهم وحضارتهم

ستوكهولم / السويد


20251210

عبارة "ماراناثا"  Maranatha  الآرامية في الكتاب المقدس

(دراسة تحليلة لغوية وثقافية وتاريخية لهذه العبارة وأصلها)

بقلم الدكتور اسعد صوما

ستوكهولم

1.  مقدمة عامة:

يتناول هذا المقال العبارة الآرامية "ماراناثا" (Maranatha) الموجودة في الكتاب المقدس والمذكورة في رسالة بولس الرسول الاولى الى اهل كورنثوس (16:22).

 وقد ذكرها بولس الرسول بين التحيات الختامية في نهاية رسالته المذكورة.

والعبارة هي بالآرامية بصيغة מרנאתא، وقد استُعملت كتحية ورمز من قبل المسيحيين الأوائل في فلسطين بلغتهم الآرامية الوطنية التي كانت لغة السيد المسيح ايضا، ولا زالت اللغة الرسمية للسريان.

ان معظم ترجمات الكتاب المقدس القديمة والحديثة معتادة على ترك هذه العبارة كما هي بالآرامية دون ترجمتها، ومنها من تستعملها بالآرامية مع ترجمتها.

ولأهمية هذه اللفظة الآرامية سنتحدث عنها بشيء من التفصيل في هذا المقال الموجز ليفهما القارئ اللبيب.

المهتم بالموضوع.

 2. لمحة عن اللغة الآرامي:

ولأن العبارة Maranatha هي بالآرامية فلا بد من أن نبدأ المقال بلمحة موجزة جداً عن هذه اللغة الآرامية ليفهم القارئ خلفية الموضوع.

الآرامية لغة قديمة وعظيمة ومرنة وسهلة ومعبرة، عاشت بجوار لغات اخرى قديمة في الشرق الاوسط مثل الاكادية و,الكنعانية (الفينيقية)، واستطاعت بواسطة قوتها الذاتية الكامنة فيها ان تنتشر بسرعة على حساب تلك اللغات الاخرى التي عاشت بجوارها، فزالت تلك اللغات من الوجود كلياً، وبقيت الآرامية في الحياة شامخة الرأس مستمرة في الحياة لغاية اليوم، رغم المصاعب الكثيرة والكبيرة التي احاطت بها خلال مسيرة حياتها.

 لذلك تعتبر الآرامية من اقدم اللغات الحية في العالم التي لا زالت حية في الاستعمال اليومي، وموثقة في الكلام وفي الكتابة خلال تاريخها الطويل دون توقف او انقطاع، إذ يبلع عمرها أكثر من ثلاثة آلاف سنة.

 وبسبب هذا العمر الطويل انقسمت الآرامية وتولدت منها لهجات عديدة.

 وما نسيمه اليوم بالسريانية هي آرامية الرها ونصيبين حيث أُطلق عليها سريانية آرامية منذ القرن الخامس الميلادي واستمر لغاية اليوم.

 كانت الآرامية في الأساس لغة الآراميين في ممالكهم الكثيرة جداً والمنتشرة في كل الشرق اي في العراق وسوريا وتركيا ولبنان والاردن وفلسطين.

 لكن بسبب قوتها وسهولتها ومرونتها اضطرت بعض الشعوب الأخرى مثل العبرانيين والفرس الى استعمال الارامية ايضا وخاصة في المجال الكتابي.

كما أن حروف ابجدية اللغة الآرامية أصبحت مصدراً للغات عديدة كُتبت بهذه الحروف، ومنها اللغة العبرية واللغة العربية نفسها.

 فالعبرية لا زالت لغاية اليوم تستعمل الحروف الآرامية في الكتابة وتسمى "الحروف الآرامية المربعة"، أما اللغة العربية فان خطها مشتق ايضاً من الارامية.

 3. الآرامية لغة المسيح وتلاميذه:

كانت الآرامية اللغة اليومية للسيد المسيح وعائلته وتلاميذه وكل اليهود في فلسطين، بعد ان ماتت العبرية كلغة محكية يومية اثر عودة اليهود من السبي البابلي.

لذلك كان يسوع يعظ ويعلّم بها، وبها كان تلاميذه يعلّموا وينشروا البشارة عن المسيح شفهياً قبل تدوين الأناجيل.

وفي أيام السيد المسيح كانت الآرامية اللغة الأولى الدارجة في معظم منطقة الشرق الاوسط، وكانت تُقسم الى عدة فروع ولهجات يصعب حصرها لان كل مدينة، لا بل كل حي في المدينة، كانت له لهجته الآرامية.

 واللهجات الآرامية التي كتبها متحدثوها أصبحت محفوظة، وعُرفت ولا زالت معروفة.

 لكن الفروع الآرامية المحكية التي لم تدون زالت غالبيتها دون أن نعرف شيئا عنها.

 وكانت فلسطين في أيام السيد المسيح تمثل جنوب سوريا، وكانت تضم عدة لهجات آرامية، أما لهجة المسيح فكانت آرامية منطقة الجليل.

 ونعلم من مجرى الأحداث في الكتاب المقدس بأنه قُبض على السيد المسيح لمحاكمته في بيت رنيس الكهنة اليهود، وكان تلميذه بطرس الرسول هناك بين الناس متخفياً ليعرف مصير سيده ومعلمه، فتعرَّف البعض هناك على بطرس بانه جليلي من اتباع المسيح بسبب بعض خصائص كلامه الآرامي الذي كان يتحدث به، واكدوا معرفتهم به لانه كان يتحدث نفس اللهجة الآرامية التي كان يتكلمها السيد المسيح.

وعندما واجهوا بطرس بهذه الحقيقة من خلال لهجته الآرامية، انكر بطرس ذلك، وادعى بانه لا يعرف المسيح وذلك خوفا من القبض عليه والحكم عليه بالتعذيب.  

ولا بد من ان كلام الناس مع بطرس وكلام المحكمة مع يسوع كان بالارامية رغم اختلاف لهجات المتكلمين الآرامية، لكن اصحاب كل لهجة كانوا يعرفون مناطق الناس الاخرين من لهجاتهم الارامية ويفهمونهم بسهولة، كمعرفة أهل دمشق لابناء الجزيرة السورية اليوم من خلال لهجتهم العربية، ومعرفة ابناء الجزيرة للدمشقيين من لهجتهم العربية المحكية.

 لذلك ان لهجة بطرس الآرامية المحكية أثناء حديثه مع الناس، كشفت أوراقه لهم، وفضحته بانه من الجليل ومن اتباع المسيح رغم انكاره.

 وقصة محاكمة السيد المسيح وانكار بطرس له، مذكورة في الأناجيل الأربعة (انظر إنجيل متى 26: 69-71) حيث يقول السرياني:

ܟܐܦܐ ܕܝܢ ܝܬܒ ܗܘܐ ܠܒܪ ܒܕܪܬܐ: ܘܩܪܒܬ ܠܗ ܐܡܬܐ ܚܕܐ ܘܐܡܪܐ ܠܗ: ܐܦ ܐܢܬ ܥܡ ܝܫܘܥ ܗܘܝܬ ܢܨܪܝܐ:

 ܗܘ ܕܝܢ ܟܦܪ ܩܕܡ ܟܠܗܘܢ ܘܐܡܪ: ܠܐ ܝܕܥ ܐܢܐ ܡܢܐ ܐܡܪܐ ܐܢܬܝ....  ܒܬܪ ܩܠܝܠ ܕܝܢ ܩܪܒܘ ܗܢܘܢ ܕܩܝܡܝܢ ܘܐܡܪܘ ܠܟܐܦܐ:

ܫܪܐܪܐܝܬ ܐܦ ܐܢܬ ܡܢܗܘܢ ܐܢܬ: ܐܦ  ܡܡܠܠܟ ܓܝܪ ܡܘܕܥ ܠܟ.

 اي:

 "أما بطرس فكان جالساً خارج الدار، فاقتربت منه جارية وقالت له:

 "انت ايضا كنت مع يسوع الناصري".

 فانكر امام الجميع قائلاً:

 لست ادري ما تقولين... وبعد قليل جاء الواقفون وقالوا لبطرس:

حقا انت ايضا منهم، فان لغتك تكشف ذلك".

ويتكرر معنى هذا الكلام في إنجيل مرقص (14: 66-69) حيث يقول:

ܐܝܠܝܢ ܕܩܝܡܝܢ ܐܡܪܘ ܠܟܐܦܐ: ܫܪܝܪܐܝܬ ܡܢܗܘܢ ܐܢܬ: ܐܦ ܓܝܪ ܓܠܝܠܝܐ ܐܢܬ ܘܡܡܠܠܟ ܕܡܐ، وكذلك في إنجيل لوقا (22: 56-59) ܐܦ ܓܠܝܠܝܐ ܗ̱ܘ. وكذلك في إنجيل يوحنا 1816-27.

اذا هذه القصة من الاناجيل تؤكد على لهجة يسوع الآرامية التي كان يتكلمها هو وتلاميذه لانها كانت لهجة منطقة الجليل.

4.  لماذا كُتبت الأناجيل باليونانية؟

أن تلاميذ ورسل المسيح الذين كتبوا الأناجيل والرسائل لم يكتبوها للأسف بلغتهم الأم أي بالآرامية الفلسطينية، لكنهم كتبوها باليونانية.

وهذه قضية ليست سهلة ابدأ بان يؤلف شخص ما كتابا بلغة أخرى غير لغته، يعرفها لكنها ليست بمستوى لغته الام التي يتقنها بشكل جيد.

وأثناء كتابة الأناجيل كان التلاميذ الذين كتبوها يفكرون بلغتهم الآرامية الأم ويصيغون الكلام بذهنهم بالآرامية، وثم يقومون بترجمة أفكارهم الى اللغة اليونانية، ويدونون تعابيرهم الآرامية باللغة اليونانية وبصياغة يونانية متأثرة بالآرامية.

 لذلك هناك تأثير من اللغة الآرامية على اليونانية التي كُتبت بها الأناجيل لأن صياغة الكلام في ذهن التلاميذ كانت أولا باللغة الآرامية قبل تدوينها باليونانية.

لقد كتبوا الأناجيل باليونانية لان اليونانية كانت اللغة العالمية في ذلك الوقت، ولأنهم أرادوا من كل المثقفين في الشرق والغرب أن يقرأوا الأناجيل فيتعرفوا على السيد المسيح وتعاليمه.

لكن لغة التلاميذ الآرامية، كانت ايضا لغة عالمية في الشرق الأوسط والمناطق المحيطة به، وكان الجميع هناك يستعملونها كلغة الثقافة والتجارة والعلاقات في تلك المنطقة في ذلك العصر.

 لكن اليونانية هي التي فازت في كتابة الأناجيل وخسرت الآرامية مكانتها أمام اليونانية لاعتبارات سياسية واجتماعية وإدارية وثقافية وغيرها.

ولأن التبشير في العالم الآرامي كان شفهياً من قبل التلاميذ والرسل وتلاميذهم وتلاميذ التلاميذ والمبشرين.

 بينما الكثير من التبشير في العالم اليوناني كان من خلال الكتابة، وخاصة كتابة الرسائل التي اصبحت من اجزاء العهد الجديد.

5.  تعابير آرامية في الكتاب المقدس:

وأثناء عملية تدوين الأناجيل باليونانية، حافظ تلاميذ المسيح على بعض الكلمات والأسماء والألفاظ والعبارات باللغة الآرامية ودونوها في الأناجيل اليونانية كما هي دون أن يترجموها الى اليونانية، وذلك لأهميتها القصوى كمفتاح لغوي وثقافي وديني واجتماعي للحدث المذكور ولسياق الموضوع.

أي أن كل كلمة تركوها بالآرامية كانت مشحونة بالمعاني القوية والمعبرة، وتدل على حالة سائدة ووضع ثقافي وديني لا يمكن التعبير عنه بالفاظ أخرى من بقية لغات العالم وخاصة اليونانية التي دونوا الأناجيل بها.

لذلك ترك كُتّاب الأناجيل هذه الألفاظ الآرامية بلغتها الآرامية كما هي وكما كانوا يستعملونها شفهيا، لأنه لا يمكن التعبير عن معناها بألفاظ يونانية من جهة، ولا يمكن أن تؤدي رسالتها ومضمونها أن ترجموها الى اليونانية.

 لذلك اختاروا دون أي قرار جماعي أن يتركوها بلغتها الآرامية لتعمل فعلها القوي في النفوس، وتؤدي وظيفتها النادرة، وتحمل رسالتها المعبرة والمطلوبة منها الى المجتمعات المسيحية الأولى التي كان معظم أفرادها يعرفون هذه الألفاظ الآرامية ويفهمون مغزاها والمطلوب منها.

شكرا للتلاميذ الذين كتبوا الأناجيل لإبقائهم بعض العبارات بالآرامية ضمن النص اليوناني للكتاب المقدس، وبذلك عوّضوا شيئا يسيراً عن التقصير الكبير الذي اقترفوه بحق لغتهم الآرامية عندما فضّلوا اللغة اليونانية عليها في تدوين الأناجيل.

وشكرا لبعض تراجمة الكتاب المقدس المعاصرين لعدم ترجمتهم هذه العبارات الى اللغات الحديثة، بل تركها بالآرامية كما جاءت من العهود القديمة.

 6. عبارة "ماراناثا" Maranatha  الآرامية/السريانية:

ومن الأمثلة الحية عن العبارات والألفاظ الآرامية المستعملة في الكتاب المقدس، والمتروكة كما هي بالآرامية دون ترجمتها، نذكر التعبيرين "طاليتا قومي" (يافتاة انهضي)، و"ماراناثا" (ربنا اتى، سيأتي، آتٍ، تعال).

أن عبارة "ماراناتا" كانت قد أصبحت حينها شعاراً هاماً ورمزاً مسيحياً قوياً، وتحية مسيحية خاصة بين اتباع السيد المسيح، لذلك استعملها بولس الرسول كتحية وكلمة مفتاحية مشحونة بين التحيات في خاتمة رسالته الأولى الى أهل كورنثوس.

7. عدم الاتفاق على المعنى الدقيق لعبارة "ماراناثا":

أن تراجمة الكتاب المقدس عبر العصور ورجال اللاهوت المسيحي كانوا مختلفين حول عبارة "ماراناثا".

والاختلاف هو حول كيفية قراءة العبارة الآرامية وأين تنتهي الكلمة الأولى وأين تبدأ الكلمة الثانية.

فهل الكلمة الأولى هي "ماران" أم "مارانا"؟

وهل الكلمة الثانية هي "اثا" أم "تا".

وفي اختيار أية قراءة منهما يتبدل المعنى قليلا.

 ففي القراءة الأولى "ماران آثا" او "ماران إثا" يصبح معنى العبارة "ربنا قد جاء"، وفي القراءة الثانية "مارانا تا" يصبح المعنى "تعالَ ياربنا".

 وفي الحالتين تصحُ العبارة لغوياً وقواعدياً حسب حال اللغة الآرامية الفلسطينية.

 أن الكتاب المقدس اليوناني استعمل العبارة الآرامية "ماراناثا" بالحروف اليونانية بصيغة Μαρανάθα  (تلفظ  Maranatha ) اي انه دمج  الكلمتين معا دون فاصل فراغي بينهما وكأنهما كلمة واحدة.

وقد ورت هذه العبارة في النص السرياني للكتاب المقدس حسب النسخة السريانية المعروفة باسم الترجمة "البسيطة"

 Peshitta بصيغة ܡܪܢ ܐܬܐ "ماران إثا" ، وبالسريانية الغربية بصيغة "موران إثو" أي "ربنا قد جاء".

 لكن ماذا قصد بولس الرسول بعبارة "ماراناثا" التي استعملها في نهاية رسالته الأولى الى أهل كورونثوس؟

هل قصد "لقد جاء ربنا" ام قصد "تعال ياربنا"؟

وكيف ينبغي لنا أن نفصل كلمتي العبارة عن بعضهما؟

هل نفصلها بصيغة " ماران آثا" أم بصيغة "مارانا تا"؟

 المعروف عن الآرامية بمختلف فروعها أن حرف التاء يلفظ ايضا "ثاء" حسب موقعه في الكلمة ووفقا لقواعد دقيقة نسميها "روكوخو وقوشويو" (قواعد لفظ الحروف القاسية واللينة).

ولا زالت هذه القواعد متبعة لغاية اليوم في الكتابة السريانية والقراءة السريانية، أي أن حرفاً واحداً يُلفظ على شكلين، وفي هذه الحالة التاء والثاء.

 لكن صيغة كلمة "مارانا" هي من سمات آرامية فلسطين، وهي مثلا غير موجودة في السريانية الكلاسيكية (كثوبونويو)، لكنها موجودة مثلا في آرامية طور عابدين كما يستعملونها في الفاظ "ابونا" اي (ابانا)، و "بابينا" (اي والدنا) و "امينا" (اي امنا) الخ.

لذلك نوجه السؤال التالي:

 "ماذا قصد بولس الرسول في استعماله عبارة "ماراناثا" الآرامية؟

هل قصد (تعال يارب) أم (ربنا قد اتى)؟ ولأن الموضوع لغوي بحت وخلفيته ثقافية وتاريخية قائمة على اللغة الآرامية الفلسطينية في أيام المسيح، لذلك أُفضِّل المعنى الأول، فتكون حينها العبارة "مارانا تا" (تعالَ يارب) حسب الآرامية الفلسطينية، وليس "ماران اثا" (ربنا قد جاء) كما هي مدونة في السريانية الفصحى في الكتاب المقدس.

ان دمج الكلمتين في كلمة واحدة بصيغة "ماراناتا"،  وعدم المعرفة أين تنتهي الكلمة الأولى وأين تبدأ الثانية، خلَّق مشكلة ليس فقط للناس العاديين انما للباحثين ايضا أثناء محاولتهم قراءة العبارة بشكل صحيح ليفهموها ويترجموها بشكل صحيح ايضا.

لقد وصلتنا هذه المشكلة من نص الإنجيل باللغة اليونانية في مخطوطاته القديمة، لان ناسخي المخطوطات القديمة دمجوا الكلمتين الآراميتين بسبب عدم معرفتهم باللغة الآرامية وعدم معرفتهم على تفريق الكلمتين.

وبمشكلتهم هذه خلقوا مشكلة لغوية للأجيال القادمة ليفهوا العبارة بشكل صحيح، لان هؤلاء النساخ لم يعرفوا أين تنتهي الكلمة الأولى وهل هي "ماران" أم "مارانا"، وهل الكلمة الثانية هي "اتا" أم "تا".

وقد استمرت هذه المشكلة ليس فقط في نص الإنجيل اليوناني بل شقت طريقها الى الترجمات اللاحقة للكتاب المقدس في اللغات الأخرى، حيث احتار المترجمون كيف يفهموها وكيف يكتبوها. كما شقت العبارة طريقها الى النصوص الكنسية والطقسية اللاحقة.

 8.  بعض المعاني الأخرى الجديدة لعبارة "ماراناثا":

أن قراءة عميقة لعبارة "ماراناثا"، وفهم عميق للوضع اللغوي الآرامي في عصر المسيح، وفهم خواص الفروع/اللهجات الآرامية المتعددة، وفهم الخلفية الثقافية لدى الآراميين (السريان) الذين كانوا يشكلون الغالبية العظمى لشعب منطقة الشرق، يساعدنا عل فهم المعنى وعلى اختيار القراءة الصحيحة، وكيفية تقطيع العبارة الى كلمتين.

نعم أن تغيير موقع النقاط وحركات التشكيل في عبارتنا هذه، يغيّر معناها، لذلك اذا افترضنا أن حرف الألف الأول في الكلمة الثانية هو مكسور بصيغة "إثا" فتتحول الكلمة الى فعل في الزمن الماضي او الزمن التام، ويصبح معنى الفعل "اتى" او "قد اتى"، وبهذا المعنى وبهذه الصيغة يرد هذه الفعل في نص الإنجيل السرياني.

 (لدي ملاحظات وتعليقات عديدة على لغة نص الكتاب المقدس السرياني المطبوع والمتداول بين السريان بمختلف طوائفهم وكنائسهم).

لا شك أن عبارتنا الآرامية هذه التي جائتنا من الإنجيل باللغة اليونانية مكتوبة بالحروف اليونانية بصيغة Μαρανάθα على طريقة السرياني الكرشوني، تتكون من كلمتين.

فلو دوَّنا هذه العبارة بالحروف الآرامية بدون حركات تشكيل מרנאתא، فبالإمكان فصل كلمتي العبارة عن بعضهما بطرق مختلفة، وحينها سنحصل على معان أخرى جديدة في كل تقطيع مختلف للكلمتين.

هنا نقطع الكلمتين عن بعضهما بطرق مختلفة لنرى كيف ستعطينا معنى ومضموناً جديداً حسب كل تقطيع:

1.  "ماران آثا"، اي "ربنا هو الرمز والعلامة". وهذا المعنى بهذه الصيغة يوافق حال اللغة السريانية الكلاسيكية تماما عندما نكتبها بالحروف السريانية مع التشكيل ܡܳܪܰܢ ܐܳܬ̥ܳܐ (تلفظ بالسريانية الشرقية "مارَن آثا" وبالسريانية الغربية "مورَن أوثو") والمعنى هو نفسه بالحالتين اي "ربنا هو الرمز".

2. "مارانا تا"، اي "ربنا هو البداية والنهاية". وفي تقطيع العبارة هنا بهذه الصيغة تتحول الكلمة الثانية الى لفظة مكونة من حرفين يمثلان الحرف الأول والأخير من الأبجدية الآرامية أي "الِف" و "تاو". واستعمل السريان قديما، ولا زالوا يستعملون، الحرف الأول والأخير من الأبجدية السريانية الآرامية بمعنى "البداية والنهاية".

3. "ماران آثِا" (athe)، أي "ربنا قادم". والكلمة الثانية هنا هي فعل بصيغة اسم الفاعل الذي يُستعمل في الآرامية كفعل في الزمن الحاضر، ويستعمل أحيانا  كفعل في الزمن المستقبل ايضا. فيصبح معنى العبارة هنا "ان ربنا قادم" وكذلك "ان ربنا سيأتي".

4. وبالإمكان تقطيع العبارة الى الكلمتين "مَار أنتا" فيصبح معناها "أنت هو الرب".

5. وكذلك يمكننا تقطيعها الى "مَرْ" "انتا" وتصبح "محرم أنت". كعبارة لتحذير الأشخاص وتحريمهم إن قاموا بفعل كذا وكذا.

وهذه المعاني الخمسة الجديدة التي استنبطناها من استنطاق العبارة الآرامية "ماراناتا" تناسب هذه العبارة وتوافق سياقها واستعمالها اللغوي والثقافي والديني كما هي مذكورة في الإنجيل استنادا الى رؤية المسيحيين للمسيح.

9. "مارانا" "لقب آرامي ملوكي":

فلو سلمنا أن الكلمة الآرامية الأولى في العبارة هي "مارانا" اي "ربنا" و "سيدنا"، فان هذا الاستعمال معقول ويصح لغوياً وتاريخياً وثقافياً، لأن كلمة "مارانا" هي لقب آرامي يدل على السيادة والسلطة والمجد استعمله الآراميون القدماء كلقب لملوكهم أثناء مخاطبتهم والتحدث معهم أو الكتابة عنهم بمعنى "سيدنا"، خاصة لدى الأنباط الآراميين في مخاطبتهم لملوكهم في منطقة نفوذ حكم ملوكهم الأنباط الآراميين التي كانت تشمل مساحة في فلسطين و الاردن، وهي المنطقة التي ظهرت فيها عبارة "ماراناثا". وهنا يعادل لقب "مارانا" الآرامي لقب "صاحب الجلالة" المستعمل اليوم للملوك.

10. النتيجة:

ان عبارة ماراناثا Maranatha عبارة آرامية موجودة في الإنجيل في رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس.

 وهي عبارة مكونة من كلمتين آراميتين دُمجتا معا في الإنجيل اليوناني وباللغة اليونانية فأصبحتا وكأنها كلمة واحدة.

 ووصلتنا العبارة بهذه الصيغة Maranatha من الإنجيل اليوناني ولا يوجد اتفاق على الكلمتين، وهل الكلمة الأولى هي "ماران" أم "مارانا" وهل الكلمة الثانية هي "اثا" أم "تا".

 اذاً الاختلاف هو في تقسيم الكلمة وتقطيعها الى كلمتين آراميتين.

 لذلك يضطر علماء النص الكتابي وتراجمة الكتاب المقدس بترك العبارة كما هي في ترجماتهم.

وقد حللنا العبارة تحليلاً لغويا وثقافيا وتاريخيا فاكتشفنا بانها غنية جداً بالمعاني وذلك حسب اللغة الآرامية الفلسطينية وفروع اللغة الآرامية الأخرى، فذكرنا خمسة معان أخرى بالإضافة الى معنيها المتداولين.

انتهى المقال

الدكتور اسعد صوما اسعد

ستوكهولم

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها